المغرب أمة نضال.. ماشي حلبة للمراهقة السياسية
وليد ميموني
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، تُقاس رزانة الدول ونضج أممها بمدى وعي نخبها السياسية بحجم الرهانات الاستراتيجية والجيو-سياسية.
إن المغرب، الشامخ بتاريخه والممتد بتلاحم عرشه وشعبه عبر ملاحم النضال التحريري، يقدم اليوم عبر المشهد الحزبي نموذجاً صارخاً لـ "الإفلاس الأخلاقي والفكري"؛ مشهد تهاوت فيه الرؤى الوطنية الكبرى لتفسح المجال أمام تراشق لفظي وصراعات تموقع تتسم بالسطحية، وضغائن الكواليس الضيقة.
منطق الوصاية وممارسات "الزم بيتك".. سقوط أخلاق الفكرة الوطنية
حين يخرج فاعل سياسي ليمارس الوصاية المباشرة على القيادات والمؤسسات، مستخدماً لغة الزجر والأوامر بـ "لزام البيوت" تجاه رفقاء مساره، فإننا لا نكون أمام نقد سياسي جاد، بل أمام قاع سحيق من الشمولية الذاتية وتضخم الأنا.
لقد كشفت هذه اللغة عن عجز صارخ عن استيعاب مفهوم "المؤسسة" و"النقد الذاتي" الذي أرسى دعائمه رواد الفكر الوطني أمثال علال الفاسي. إن تقزيم الحزب وإختزاله في الفرد، وتحويل السجال العمومي إلى حلبة للانتقام الشخصي وتصفية الحسابات، هو إعلان صريح عن نهاية ظاهرة ظنت يوماً أن الخطب الزاعقة قادرة على تعويض غياب المشروع التنموي والبديل التأسيسي.
كواليس "الفيتو" وتهاوي الأقنعة.. تحالفات الغنيمة لا البرامج
وعلى الجانب الآخر، يأتي كشف التناقضات وحروب الفيتوهات داخل كواليس التحالفات الحكومية والتنظيمية — كفيتوهات المجالس الوطنية ضد هذا الحزب أو ذاك — ليزيح الستار عن أزمة أعمق: أزمة "العقل السياسي" الذي شرّحه محمد عابد الجابري.
إن هذه الاعترافات تُعري بنية التكتلات الحزبية الراهنة، وتثبت أنها لم تُبنَ يوماً على انسجام فكري أو تطلع لبناء "كتلة تاريخية" تقود التغيير، بل على تقاسم المكاسب وتوزيع كعكة النفوذ عبر كواليس مغلقة. لقد تحول الفاعل الحزبي من أداة لتأطير الشارع والدفاع عن المصلحة العليا، إلى موثق لحروب الأجنحة وسفير لصراعات الإقصاء، مما كرس عزلة الأحزاب وفقدانها الكامل لأي شرعية شعبية أو رصيد أخلاقي.
العزلة عن زمن المستقبل.. العجز الاستشرافي في مواجهة التحديات
بينما يتحول العالم برعونة نحو تكتلات اقتصادية وثورات تكنولوجية، وبينما يجابه الوطن أزمات هيكلية في الماء، الطاقة، والتعليم — كما كان يحذر المهدي المنجرة من خطورة الانشغال بالسطحي والجهل بالآتي — تجد النخبة السياسية تسليتها الكبرى في تجميع التفاصيل الصغيرة وتدبير الأحقاد التنظيمية.
إن هذا الهدر للزمن التنموي ليس مجرد فشل حزبي، بل هو مساس بهيبة الدولة ووقار العمل السياسي. فالأمم العظيمة لا تُبنى بـ "فيتوهات الإقصاء" ولا بالتهديد بـ "لزام البيوت"، بل بامتلاك الرؤية العلمية، واحترام قيم الكرامة، والاستثمار في العقل الإنساني.
إلى أين المسار؟
لقد وُضعت الأوراق على الطاولة، وسقطت مساحيق التجميل عن نخب استنزفت كل فرصها وأثبتت عقمتها الفكرية والسياسية. إن السقوط المدوي لمنطق الشعبوية والوصاية، وتهاوي الأقنعة في كواليس التكتلات، يفرضان اليوم واقعاً جديداً لا مفر منه:
لم يعد هناك مجال لمداهنة الفشل، لأن المغرب أمة نضال ورهانات كبرى، وليس حلبة للمراهقة السياسية. إن المرحلة تتطلب قطيعة جذريّة مع هذا العبث الحزبي، وإعادة التأسيس لفعل سياسي حقيقي يُعلي من قيمة العقل، ويعيد للعمل الوطني هيبته، ويضع مصلحة المغرب العميق فوق كل اعتبار.
أما القيادات التي لم يتبقَّ في جرافاتها سوى الضغائن والتراشق.. فالواقع والحقيقة يتكفلان اليوم بالقول لها: لقد استنفدتم زمنكم.. فالتزموا بيوتكم.
-
23:44
-
23:15
-
22:51
-
22:22
-
21:55
-
21:54
-
21:01
-
20:43
-
20:12
-
19:42
-
19:11
-
18:42
-
18:13
-
17:43
-
17:12
-
17:00
-
16:44
-
16:12
-
15:43
-
15:18
-
14:55
-
14:29
-
14:13
-
14:08
-
13:55
-
13:42
-
13:08
-
12:44
-
12:30
-
12:17
-
12:00
-
11:47
-
11:22
-
11:19
-
10:53
-
10:30
-
10:07
-
09:50
-
09:31
-
09:03
-
08:37
-
08:13
-
07:45
-
07:17
-
06:52