التكوين المؤدى عنه..نحو «نظام قانوني للموظف الطالب»
أعاد إقرار التكوينات المؤدى عنها في إطار التوقيت الميسر إشعال نقاش واسع داخل الجامعة المغربية، خصوصاً بشأن الرسوم ومدى انسجامها مع مبدأ مجانية التعليم العالي. وبينما يرفض عدد من الموظفين والأجراء أداء مقابل مالي للاستفادة من تكوين ينظم خارج أوقات العمل، باعتبار أن الجامعة العمومية يفترض أن تظل مفتوحة أمامهم بالمجان، يبدو أن جانباً أساسياً من المعادلة ظل بعيداً عن النقاش: مسؤولية المشغل في توفير الظروف المهنية التي تمكن الموظف من متابعة دراسته.
الجامعة ليست الطرف الوحيد في المعادلة
فالمطالبة بإتاحة التكوين الجامعي بالمجان تبقى مشروعة، لكن الاقتصار عليها لا يحل الإشكال كاملاً. إذ إن الموظف الذي يستوفي الشروط الأكاديمية للولوج إلى تكوين عادي ومجاني قد يجد نفسه عاجزاً عن الاستفادة منه، بسبب تزامن توقيت الدراسة مع ساعات العمل. وفي هذه الحالة، لا يتعلق الأمر فقط بضرورة تكييف الجامعة لبرامجها، بل أيضاً بحق الموظف في مطالبة الإدارة أو المقاولة بتكييف وقت العمل، والاستفادة من رخص الدراسة والامتحانات، بل ومن إجازة تعليمية عند الحاجة.
حق التسجيل لا يعني حق حضور الدروس
المفارقة أن الممارسة الإدارية المغربية سبق أن تعاملت مع مسألة متابعة الموظفين لدراستهم، من خلال مناشير نظمت حضور الدروس خلال أوقات العمل وربطته بموافقة الإدارة ومصلحة المرفق. كما تم لاحقاً إلغاء اشتراط ترخيص الإدارة من أجل التسجيل في الجامعة، تأكيداً لحق الموظف، باعتباره مواطناً، في الولوج إلى التعليم العالي وفق الشروط الأكاديمية.
غير أن تحرير التسجيل من موافقة الإدارة لم يواكبه إقرار نظام قانوني متكامل يضمن للموظف إمكانية حضور الدروس. وهكذا أصبح الموظف حراً في التسجيل، لكنه لا يتوفر بالضرورة على مركز قانوني واضح تجاه مشغله عندما تتعارض ساعات الدراسة مع ساعات العمل، لتظل التسهيلات في كثير من الحالات رهينة بالترخيص الفردي وبمدى استعداد المسؤول لتكييف ظروف العمل.
فراغ قانوني يخلق تفاوتاً بين الموظفين
ولا يبدو نظام الوظيفة العمومية، رغم تنوع الرخص التي يقرها، مصمماً بشكل متكامل لاستيعاب مسار دراسي يمتد لفصل أو سنة أو عدة سنوات. أما في القطاع الخاص، فإن حق الأجير في التغيب لاجتياز الامتحانات يظل محدوداً إذا لم ترافقه إمكانية فعلية لحضور الدروس أو تكييف ساعات العمل والورديات أو الاستفادة من إجازة تعليمية.
وينتج عن هذا الوضع تفاوت واضح بين الموظفين والأجراء؛ فقد يحصل بعضهم على تسهيلات واسعة، بينما يواجه آخرون الرفض رغم تشابه ظروفهم. وفي بعض الحالات تجد الجامعة نفسها مضطرة إلى التعامل مع آثار هذا التعارض من خلال التساهل في الحضور أو الآجال والتقييم، بينما يفترض أن تتم معالجة أصل المشكلة داخل علاقة الموظف أو الأجير بمشغله.
تجارب دولية تجعل العمل أكثر مرونة
وتقدم تجارب دولية مختلفة نماذج يمكن أن يستفيد منها المغرب في بناء نظام أكثر وضوحاً للموظف الطالب. ففي عدد من الدول، يتم تكييف وقت العمل بما يسمح للموظف أو الأجير باختيار جدول أو وردية ملائمة، إلى جانب الاستفادة من رخص لحضور الدروس واجتياز الاختبارات. بينما تعتمد أنظمة أخرى رصيداً سنوياً من ساعات التكوين يسمح بالتغيب لمتابعة دراسة معترف بها، مع استمرار الأجر في بعض الحالات وتعويض المشغل عن جزء من التكلفة.
كما تتيح بعض النماذج إجازة دراسية جزئية أو كاملة، تمكن العامل من التفرغ مؤقتاً للتكوين مع الحفاظ على وظيفته وحقه في العودة إليها. وتوجد أيضاً تجارب مغاربية تمنح الموظف رصيداً أسبوعياً لمتابعة دراسة مرتبطة بنشاطه المهني، مع مراعاة حاجيات المرفق. وتؤكد هذه التجارب أن الجمع بين العمل والدراسة لا ينبغي أن يبقى رهيناً بالتساهل الشخصي، وإنما يحتاج إلى حقوق واضحة والتزامات محددة.
نحو «نظام قانوني للموظف الطالب»
لا يعني الاعتراف بحق الموظف الطالب منحه رخصة مفتوحة للتغيب، إذ يمكن ربط الاستفادة بإثبات التسجيل والمواظبة والتقدم في الدراسة، مع مراعاة طبيعة العمل وعدد المستفيدين وقدرة الإدارة أو المقاولة على ضمان استمرارية المرفق. ومن هنا يمكن للمغرب التفكير في إقرار وضع قانوني خاص بالموظف الطالب، يشمل القطاعين العام والخاص، مع مراعاة خصوصية كل منهما.
وقد يشمل هذا النظام تكييف ساعات العمل، واختيار الوردية المناسبة متى كان ذلك ممكناً، والاستفادة من رخص لحضور الأنشطة الدراسية الأساسية واجتياز الامتحانات والمناقشات، فضلاً عن إتاحة إجازة دراسية جزئية أو كاملة بالنسبة إلى التكوينات التي تستوجب تفرغاً أكبر.
المجانية تحتاج إلى بيئة تسمح بالاستفادة منها
إن الدفاع عن مجانية التكوين الجامعي العادي يظل ناقصاً إذا لم يقترن بالدفاع عن الشروط التي تجعل هذه المجانية قابلة للاستفادة فعلياً. فالموظف الذي يرفض أداء رسوم التوقيت الميسر لا ينبغي أن يجد نفسه أمام خيارين فقط: دفع الرسوم أو التخلي عن الدراسة. البديل الحقيقي يفترض وجود جامعة تحافظ على مجانية تكوينها العادي وجودته، ومشغل يوفر المرونة اللازمة وفق ضوابط واضحة، وموظف يلتزم بدوره بجدية بواجباته المهنية والأكاديمية.
ومن ثم، فإن الجدل حول التوقيت الميسر المؤدى عنه قد يكون فرصة لفتح نقاش أوسع حول «الموظف الطالب» باعتباره وضعاً قانونياً واجتماعياً يستحق تنظيماً واضحاً، بدل ترك مصيره لتقدير كل إدارة أو مقاولة على حدة. فالمطلوب في النهاية ليس تحميل الجامعة وحدها مسؤولية حل تعارض العمل والدراسة، وإنما بناء منظومة متكاملة تجعل الحق في التعليم قابلاً للممارسة دون أن يتحول إلى امتياز مرتبط بقدرة الموظف على دفع الرسوم أو الحصول على استثناء.
-
20:00
-
19:42
-
19:00
-
18:30
-
18:11
-
17:40
-
17:25
-
17:12
-
17:00
-
16:40
-
16:12
-
16:00
-
15:47
-
15:27
-
15:00
-
14:33
-
14:06
-
14:00
-
13:40
-
13:27
-
13:13
-
12:44
-
12:27
-
12:00
-
11:35
-
11:12
-
10:45
-
10:18
-
10:16
-
09:58
-
09:23
-
08:57
-
08:30
-
08:11
-
08:11
-
07:45
-
23:11
-
22:40
-
22:18
-
21:47
-
21:27
-
21:00
-
20:33