العقل السياسي المغربي بين الحدود الفعلية للسلطة ومقتضياتها المتخيلة
فتح الله رمضاني
إذا كان الفيلسوف الفرنسي "ريجيسدوبريه" " Régis Debray"، قد تمكن في كتابه القيم "نقد العقل السياسي"،من مساءلة الأسس التي يقوم عليها الفعل السياسي، ومن إثارة النقاش حول الأبعاد الرمزية التي تحكم آليات اشتغال الفاعل السياسي، وبالتالي تجعل السياسة وظيفة أكثر تعقيدا من كونها تدبيرا عقلانيا للمصالح، فإن استحضار هذا المنطق النقدي في محاولة فهم الحالة المغربية، يجعلنا نتجاوز نقد الممارسة السياسية بالمغرب إلى نقد العقل الذي ينتجها، بصورة تتجاوز مساءلة مواقف الأحزاب السياسية واختياراتها إلى مساءلة البنيات الذهنية والتمثلات التي تحكم علاقتهابالسلطة والمجتمع، حيث الظاهر أن الإشكال لم يعد يتعلق بما تقوم به الأحزاب أو بما لا يمكنها القيام به، بل بما تعتقد أنه لا يجوز لها أن تفكر فيه في الأصل.
هكذا فإن أزمة السياسة في المغرب لا تتعلق فقط بأزمة تنظيمات حزبية قاصرة عن التأطير والتعبئة، ولا بطبيعة فعل حزبي قاصر عن فهم معنى وغاية ووظيفة الحزبية، ذلك أنها في جزء كبير منها، أزمة عقل سياسي تشكل تاريخيا من خلال علاقة غير متكافئة مع السلطة، حتى أصبح عقلا يعجز عن التفكير خارج الحدود التي يعتقد أن هذه السلطة قد حددتها له، ليس لأنها حدود موجودة، ولا لأنها حدودغير قابلة للتغيير، بل لأنه عقل يفترض أنه استوعب منطق السلطة واستبطن انتظاراتها، وبالتالي أصبح يمارس نوعا من الرقابة الذاتية، ويتصرف على أساس ما يعتقد أن السلطة تريده منه، لا على أساس ما ينتظر منه باعتباره فاعلا سياسيا، من المفروض أن يمتلك تصورا واضحا للمجتمع، وقدرة على إنتاج المبادرات والتأثير في التوجهات.
بمعنى أننا أمام عقل سياسي لا يحاول اختبار حدود الممكن ولا يحاول توسيعها، بل يكتفي بالتصور المتخيل الذي رسمه بنفسه لهذه الحدود، والأكثر من ذلك أنه يجعل من احترامها شرطا للممارسة السياسية الواقعية.
الأكيد أن خصوصية الظاهرة الحزبية المغربية، وطبيعة تشكل الحقل الحزبي بالمغرب، وخصوصا على مستوى تطور العلاقة بين الأحزاب السياسية والسلطة، كلها عوامل ساهمت في إنتاج أنماط مختلفة من التفكير السياسي، فإذا كانت هناك مراحل سابقة من التاريخ السياسي المغربي، قد عرفت وجود فاعلين سياسيين آمنوا بأن وظيفتهم تتمثل بالأساس في الدفاع عن مشروع إصلاحي، وبأن علاقتهم بالسلطة ينبغي أن تقوم على الصراع والتفاوض بغاية توسيع الهامش الديموقراطي بالبلد، فإن التحولات الإيجابية العديدة التي عرفها المشهد السياسي الوطني، قد أفضت للأسف، وعلى عكس ما كان منتظرا، إلى تراجع هذا التصور لحساب تصور آخر، أصبحت فيه السياسة مجرد ممارسة وظيفية محددة داخل نظام قائم وهي المفروض فيها أن تكون محركا للتأثير فيه ولتطوير آليات اشتغاله، وأصبح فيه الفاعل السياسي يؤمن أن تفوقه سياسيا لا يقاس بقدرته على فرض القضايا واتخاذ المبادرات وطرح الأفكار وتوجيه النقاش العمومي في هذا الاتجاه، بل يقاس بقدرته وفطنته على التقاط ما يعتقد أنها إشارات صادرة عن جهة ما، غالبا ما يعبر عنها في حديثه بالإشارة بسبباته إلى الأعلى.
ولعل هذه، هي أكثر الخصائص الدالة على أزمة العقل السياسي المغربي، وهي أنه أصبح عقلا انتظاريا، لا يتخذ المبادرة ولكنه ينتظر تصريحا متخيلا بخصوصها، ولا يتبنى موقفا مؤسسا على قراءة مستقلة للواقع، ولكنه يحاول استباق إعلان الموقف الذي يعتقد أنه موقف مرغوب فيه.
وهذا عقل خطر، وخطورته تتمثل في أنه لا يحتاج إلى تدخل مباشر من أجل تقييد فعله وحركيته، ذلك أنه يقوم بهذه المهمة عن طيب خاطر، وعن طواعية، ليس انطلاقا بالضرورة من منع صريح أو موقف معلن، ولكن بناء على تقديرات ذاتية لما يعتقد أنه مسموح له به أو ممنوع عنه، بمعنى بناء على رقابة ذاتية يمارسها على فكره لتمتمد إلى سلوكه، حتى أصبح يضيق على نفسه مساحات للفعل، هي في الحقيقة، أوسع بكثير مما يتصور، ومما يعتقد أن السلطة تسمح به وتنتظره منه.
ولقد اتضح هذا مرارا وتكرارا، حين كشفت أعلى سلطة في الدولة أنها في حاجة إلى فاعلين سياسيين يمتلكون القدرة على المبادرة وعلى الاقتراح وعلى تحمل المسؤولية، أكثر من حاجتها إلى نخب سياسية تنهك تفكيرها في فهم الإشارات، فالملك وهو أعلى سلطة في البلاد، أعلن في مناسبات عديدة أن انتظاراته من الأحزاب السياسية ومن الفاعلين السياسيين تتجاوز بكثير ما أصبحت هذه الأحزاب تسمح لنفسها بممارسته.
في هذا السياق، دعا الملك مثلا في خطاب العرش لسنة 2016 أحزاب المعارضة إلى ممارسة النقد البناء واقتراح البدائل، من أجل إيجاد حلول للمشاكل الحقيقية للمواطنين، وهي دعوة تضمنت توجيهات صريحة، بمضمون سياسي واضح، لا ينسجم أبدا مع هذا التصور القاصر للحزبية، والذي يختزل الفاعل السياسي والمعارضة على الخصوص في انتظار الإشارات، بل يفترض وجود فاعل سياسي مطالب بالمبادرة وبإنتاج البدائل وابتكار الحلول.
في نفس السياق، وفي خطاب العرش لسنة 2017، والذي خصصبالإضافة إلى الحديث عن ضعف الإدارة العمومية، إلى التطرق لبعض اختلالات الممارسة السياسية، كانت التوجيهات الملكية في هذا الإطار مباشرة وصريحة، إذ اعتبر الملك أن الإشكال يكمن بدرجة أولى في العقليات، وفي الذهنيات، وفي غياب الطموح والقدرة على الإبداع، بل الأكثر من ذلك عبر الملك صراحة على أنه أصبح غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، وعلى أنه حريص كل الحرص على احترام اختصاصات المؤسسات، وفصل السلط، كما انتقد في نفس الخطاب لجوء بعض الأحزاب السياسية والطبقة السياسية والمسؤولين إلى الاحتماء بالقصر الملكي عند الإخفاقات، وتسابقهم إلى الاستفادة سياسيا وإعلاميا، عند تحقيق المكاسب.
بناء عليه، وإذا كان غريبا أن يستمر الفاعل السياسي في تبرير عجزه بمبرر ضيق المساحات المتاحة أمامه، في حين أن أعلى سلطة في الدولة، دعتهبصورة مباشرة، ومرات كثيرة، إلى المبادرة وتحمل المسؤولية وممارسة الاختصاصات التي يضمنها له الدستور، فإنه لخطير جدا أن يجعل عقل سياسي من استجلاء إرادة السلطة مبررا لامتناعه عن الفعل وعن المبادرة، في حين أن أعلى سلطة في الدولة تعلن عن عدم رضاها عن هذا الامتناع، ذلك أنه بهذا الموقف يزيح السلطة من موقعها المؤسساتي إلى موقع متخيل، وبالتالي يصبح هذا العقل خاضع لسلطتين، الأولى فعلية لها مؤسسات واختصاصات وتوازنات، والثانية متخيلة أنتجها بنفسه، وأصبح يتحرك طبقا لما يعتقد أنها تقتضيه.
على العموم، إن أزمة العقل السياسي المغربي ليست أزمة طريقة تشكل وفقط، بل هي أزمةثقافة سياسية، حيث لم تتوفق هذه الثقافة في توضيح التمييز بين احترام المؤسسات والخضوع للتصورات المفترضة عن إرادتها، وبين الواقعية السياسية والتخلي عن المطلب الإصلاحي وبالتالي التخلي عن الطموح الإصلاحي، وبين فهم وإدراك موازين القوى وتحويلها إلى حدود للفعل وللتفكير، ذلك أن وجود سلطة قوية لا يعني أبدا اللاحاجة إلى أحزاب قوية، كما أن وضوح الاختصاصات الدستورية لا يعفي الفاعلين من مسؤولية استثمار جميع الوسائل التي تضعها أمامهم.
وبالتالي، فإن تجاوز أزمة السياسة في المغرب رهين بإحداث تحول عميق في طبيعة العقل السياسي المغربي، تحول لا يعني بناء عقل سياسي يتجاهل طبيعة النظام السياسي المغربي ويتحرك خارج شروطه، بل إنه لا يعني غير عقل يمتلك القدرة على فهم هذه الشروط من دون أن يكون رهينة لها، ويدرك حدود الممكن من دون أن يتوقف عن محاولة توسيعها، ويستوعب منطق المؤسسات من دون أن يتخلى عن منطقه الخاص كفاعل سياسي، عقل لا يعتبر المبادرة مغامرة، بل يؤمن أنها جوهر الفعل السياسي وغاية وجوده، فأزمة السياسة بالمغرب ترتبط في جزء كبير منها بمحدودية فعل وخيال من يمارسونها.
-
20:41
-
20:19
-
20:12
-
20:00
-
19:43
-
19:13
-
18:42
-
18:13
-
17:42
-
17:33
-
17:22
-
17:11
-
16:42
-
16:30
-
16:22
-
16:14
-
15:42
-
15:42
-
15:11
-
14:42
-
14:11
-
13:42
-
13:12
-
12:42
-
12:11
-
11:42
-
11:13
-
10:55
-
10:27
-
10:00
-
09:25
-
09:00
-
08:47
-
07:34
-
07:12
-
06:47
-
23:00
-
22:33
-
22:04
-
21:34
-
21:10