- 10:03إضراب وطني ووقفة احتجاجية للأساتذة المبرزين
- 09:33أسعار البصل والفلفل تصل إلى قبة البرلمان
- 09:10رقم معاملات مكتب المطارات يتجاوز 5.4 مليار درهم
- 09:05الأسود يتقدمون في تصنيف الفيفا الجديد
- 08:36ترامب يستثني المغرب من الرسوم الجمركية المرتفعة
- 07:47أمطار ضعيفة ومتفرقة في توقعات طقس الخميس
- 23:07وزارة الفلاحة توضح بخصوص المستفيدين من دعم استيراد الأغنام
- 22:48سلطات الدارالبيضاء تؤكد إقامة الديربي في موعده
- 22:33نهضة بركان يعود بفوز ثمين أمام أسيك ميموزا في ربع نهائي الكونفدرالية
تابعونا على فيسبوك
"التقاليد ليست إرثاً ساكناً، بل شعلة تتناقل عبر الأجيال"
الثقافة نبض حيّ، يتغذّى من خيال الإنسان وطاقته الإبداعية المتجددة. ليست مادة جامدة تُخزَّن في المتاحف، بل مسار يتشكّل باستمرار، لا يكتمل، ولا يستقرّ. لم تكن يوماً حالة مُكتملة، بل ظلت على الدوام في حالة تجربة مفتوحة. تتناقلها الأجيال، تنفتح على زمنها، وتتفاعل مع أسئلته وتطلعاته.
واليوم، ما تزال الثقافة تغتني بروح الابتكار، وبنظرة الشباب، وبالوسائل التكنولوجية التي باتت امتداداً طبيعياً لطموحاتهم وتعبيراتهم.
وفي هذا السياق، تعيد الثقافة المغربية صياغة حضورها من خلال تجارب إبداعية حديثة ومتنوعة، تواكب روح العصر، وتخاطب جيلاً يبحث عن التفاعل، وعن المغزى، وعن المشاركة الفاعلة. في قلب هذه الحركية، تتقاطع الأصالة مع التطور التكنولوجي، ويتعزز حضور المغرب كبلد يحمل رؤية ثقافية حديثة فيتجلى ذلك أيضًا في «علامة المغرب» كصورة حية ومشرقة، خاصة مع اقتراب مواعيد دولية كبرى، وفي مقدمتها احتضان كأس العالم 2030.
وحين تُوظف التكنولوجيا الناشئة بذكاء، تتحوّل من وسيلة إلى رافعة، ومن أداة إلى منصة دائمة لتوسيع إشعاعنا الثقافي، وتقديم هوية المغرب بثقة وجاذبية وجرأة.
الذاكرة المتجددة
"التقاليد ليست إرثاً ساكناً، بل شعلة تتناقل عبر الأجيال" - بهذه العبارة العميقة، يذكّرنا الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث (1914–1998)، الحائز على جائزة نوبل للآداب، بأن علاقتنا بالتراث لا يمكن أن تظلّ جامدة أو مجرّدة من التفاعل. فالأصالة لا تعني الجمود، بل القدرة على الإحياء والتجدد.
فالتمسّك بروح التقاليد لا يتعارض مع ابتكار أشكال جديدة لتجسيدها. بل العكس، فكل جيل يعبّر عنها بلغته، ويمنحها حياة جديدة دون أن يفقدها معناها. وفي زمن تعيد فيه التكنولوجيا تشكيل علاقتنا بالثقافة والإبداع، يصبح الاستخدام الذكي للإمكانيات التكنولوجية فرصة ثمينة لا لنقل الذاكرة فحسب، بل لإعادة بثها في الحاضر، بلمسة معاصرة، وروح حيّة، ونَفَس متجدد.
لغة جديدة للخيال
شهدت التحولات الثقافية الكبرى في التاريخ لحظات تقاطع عميقة مع التحولات التكنولوجية. فقد سهّلت الطباعة الوصول إلى المعرفة، وأعادت السينما رواية الحكايات، ووحّدت الإذاعة والتلفزيون الخيال الجماعي. واليوم، يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في هذا المسار الطويل، لا ليُقصي الإنسان، بل ليعزّز قدرته على الفهم والتعبير، وتطوير حضوره الثقافي.
فالذكاء الاصطناعي ليس قطيعة مع ما سبق، بل لغة جديدة، بقواعد مختلفة، علينا أن نستكشفها ونتقنها.
وكما يقول لوك جوليا (ولد في 1966) أحد مبتكري المساعد الرقمي "سيري":
"الثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تفقد روحها، بل تكتشف أشكالاً جديدة من التعبير".
رؤية منفتحة تحررنا من ثنائية الخوف والانبهار، وتدعونا إلى استكشاف إمكانات هائلة: من المعارض التي تدمج التفاعل الرقمي، إلى الحكايات التي تُروى بتقنيات الواقع المعزز، ومن المشاريع الإبداعية الجماعية، إلى التجارب الثقافية الغامرة التي تمزج الفن بالتكنولوجيا.
فالذكاء الاصطناعي لا يُلغي يد الحرفي، ولا يُقصي خيال الفنان، بل يمدّهما بنَفَس جديد، ويمنحهما أدوات أوسع، ومساحات أغنى للتجريب والإبداع.
المغرب... مشهد ثقافي متجدّد
ينخرط المغرب اليوم في دينامية متسارعة للإبداع الثقافي المرتبط بالتكنولوجيا. دينامية يقودها شباب طموح وجريء، وتُواكبها سياسات عمومية منفتحة، تستكشف مجالات جديدة للتعبير الفني: من السينما المعززة، إلى المعارض الرقمية، مرورًا بألعاب الفيديو التي تستلهم حكاياتنا، وصولًا إلى مشاريع رقمية تُعيد تقديم التراث بروح معاصرة.
هذه المبادرات لا تُمثّل مجرد تجارب تقنية عابرة، بل تشكّل ملامح نموذج مغربي جديد لثقافة حيّة: متجذّرة في الهوية، منفتحة على الابتكار، قريبة من المواطن، وقادرة على إغناء الخيال الجماعي وفتح آفاق مهنية لجيل جديد من المبدعين، بما تحمله من أبعاد اقتصادية، تربوية واجتماعية.
وعلى الصعيد الدولي، تُظهر تجارب مثل اليابان، كوريا الجنوبية، أو كندا كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُنعش الهويات الثقافية وتُعزز إشعاعها وتحوّلها إلى قوة ناعمة فعالة. وللمغرب، في هذا السياق، مكانة مستحقة، ورؤية فريدة، وقصة تستحق أن تُروى.
فرصةٌ… لبناء تأثير ناعم ومستدام
غير أن هذه الحركية لن يبلغ مداها إلا برؤية واضحة وطموح متجدد. خلال عرضه أمام اللجنة البرلمانية المكلفة بالذكاء الاصطناعي، أكّد وزير الشباب والثقافة والتواصل أنّ الصناعات الثقافية، حين تندمج بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول إلى رافعة استراتيجية في مسار التنمية الوطنية.
لكن ما يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية هو ما تتيحه هذه الثقافة المُعززة من قدرة على التأثير الهادئ، والدفاع عن القضايا الوطنية بصوت إبداعي، وصياغة سرديات تنبع منا وتشبهنا. فالقوة الناعمة لا تُعلن، بل تُبنى — عبر روايات أصيلة، نابضة، وقادرة على إيصال صوتنا إلى العالم بثقة ووضوح. وفي عالم يُقاس فيه المكانة بمدى القدرة على السرد والبرمجة والنشر، نملك فرصًا استثنائية لنكون مبادرين لتأثير أكثر فعالية.
ببصيرة ومسؤولية ورؤية بعيدة المدى
في مواجهة هذه التحوّلات، تَكمُن الحاجة أولًا إلى البصيرة: أن نُدرك بأن الربط بين تراثنا والتكنولوجيا ليس ترفًا، بل ضرورة ثقافية واستراتيجية. فالذكاء الاصطناعي، بكل قدراته المتقدمة، لا يمكنه أن يخدم ثقافتنا ما لم نُغذّه بمعطيات تعبّر عن أولوياتنا، وتخدم مصالحنا الوطنية، لفهمها وتمثّلها. إن لم نُبادر اليوم إلى رقمنة ذاكرتنا، وصونها من التآكل أو النسيان، فقد نفقد تدريجيًا قدرتنا على صياغة صورتنا بأنفسنا.
لكن الإدراك وحده لا يكفي. فالمعرفة من دون قرارات جريئة تبقى معلّقة. وهنا تبرز المسؤولية: مسؤوليتنا الجماعية في نقل الذاكرة لا كأرشيف، بل كزخم حي. فإذا لم نُجدّد روايتنا لتراثنا، ونعيد تقديمه بلغتنا ومنظورنا، فسيُعاد تشكيله من قِبَل آخرين، برؤاهم وخيالاتهم ومصالحهم. وذلك ليس مجرّد تهديد لهويتنا، بل تخلٍّ عن حقّنا، كأمة، في امتلاك سرديتنا.
وأخيرا، في زمنٍ تتبدّل فيه أنماط التعبير، وتتغيّر فيه معايير التأثير، لا يكفي أن نواكب، بل علينا أن نستبق. فالحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل إعادة ابتكاره في صيغ تعبّر عنّا، وتؤسّس لمكانتنا في عالم سريع التحوّل. وهنا بالضبط تتجلى قيمة بُعد النظر: أن نرى ما هو قادم، ونبني له من الآن، بأدواتنا، وبأيدينا، وبروح تُدرك أن الثقافة ليست ما نحتفظ به… بل ما نُعيد خلقه كل يوم.
تعليقات (0)